مجمع البحوث الاسلامية

678

المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته

الكفّار ليجعلوا من أضلّهم من الجنّ والإنس تحت أقدامهم انتقاما منهم . وفي هذه الآيات بحوث : 1 - المتبادر من الأربع الأولى إحاطة النّعمة أو العذاب لأهلهما ، وأنّ « الفوق » و « التّحت » فيها كناية عن الأطراف السّتّة ، لو أريد بها الإحاطة الجسمانيّة ، أو شمول النّعمة والعذاب لهم من كلّ طريق لو أريد بها تعميم النّعمة والعذاب بأيّ نحو كان ، وهو الأقرب . واختاره الطّبرسيّ في ( 1 ) فقال ( 3 : 441 ) : « وقيل : إنّ المعنى التّوسعة ، كما يقال : فلان في الخير من قرنه إلى قدمه ، أي يأتيه الخير من كلّ جهة يلتمسه منها » ، ثمّ ذكر نظيرا لها من الآيات . بيد أنّه قال في صدر كلامه : « لأكلوا من فوقهم بإرسال السّماء عليهم مدرارا ، ومن تحت أرجلهم بإعطاء الأرض خيرها وبركتها . . . وقيل : المراد لأكلوا ثمار النّخيل والأشجار من فوقهم ، والزّرع من تحت أرجلهم » . وحكى في ( 2 ) وجوها ، فقال ( 4 : 83 ) : ( من فوقكم ) : الصّيحة والحجارة والطّوفان والرّيح ، كما فعل بعاد . . . وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ : * الخسف كما فعل بقارون ، أو من قبل كباركم وسفلتكم ، أو من قبل السّلاطين الظّلمة والعبيد السّود » ، وهذه معان حرفيّة يأباها السّياق . وقال في ( 3 ) أيضا ( 8 : 37 ) : ( يغشيهم العذاب ) أي « يحيط بهم » ، لا أنّه يصل إلى موضع منهم دون موضع ، فلا يبقى جزء منهم ، إلّا وهو معذّب في النّار ، كقوله : لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَواشٍ الأعراف : 41 . وقال في ( 4 ) ( 4 : 493 ) ( من فوقهم ظلل ) أي سرادقات وأطباق من النّار ودخانها و ( من تحتهم ظلل ) أي فرش [ إلى أن قال : ] . . . والمراد أنّ النّار تحيط بجوانبهم . 2 - جاء « فوق » و « تحت » معا متقابلين في هذه الآيات الأربع ، وأريد بها الإحاطة ، أو المعنى اللّغويّ ، وهو الأقرب . وكذلك في ( 40 ) : لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِها غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ الزّمر : 20 ، وهي متعيّنة في المعنى اللّغويّ ، إلّا أنّهما ليسا متقابلين ، بل فيهما إيهام التّقابل ، لاحظ « ب ن ي » : ( مبنيّة ) . 3 - والمتبادر من ( 5 ) معناها اللّغويّ ، فإنّ جعل الخصوم تحت الأقدام كانت عادة شائعة بين الملوك ، ففي بلاد فارس جعل « داريوس » - ثاني ملوك السّلسلة الأخمينيّة في جبل « بيستون » الواقع بين همدان وكرمانشاه - خصمه الّذي خانه واغتصب عرشه تحت قدميه كما جاء في النقش هناك . أو المراد بها إذلالهما وتحقيرهما ، وهو مجاز شائع ، وقد اختير في هذه لفظ « الأقدام » بدل « الأرجل » ، لأنّها أظهر بالإهانة والإذلال الخاصّ بها ، دون الثّلاث الأولى ؛ حيث كان المراد بها الإحاطة دون الإذلال . وقد حكى الفخر الرّازيّ عن بعض تلامذته تأويلا لهذه الآية ، فلاحظ . الثّاني : تحت شيء كالشّجرة والجدار في ( 6 - 8 ) ، وأريد بها المعنى اللّغويّ : و ( تحت الشّجرة ) في ( 6 ) تحكي لنا تلك المعاهدة المباركة الّتي انعقدت بحضور النّبيّ عليه السّلام في الحديبيّة ،